محمد سعيد رمضان البوطي
231
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
بالريّ حتى صدروا عنه « 1 » ، فبيما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر معه ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا مياه الحديبية ، ومعهم العوذ المطافيل « 2 » ، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكن جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرّت بهم ، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلّوا بيني وبين الناس ، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا ( أي استراحوا ) ، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، ولينفذن اللّه أمره . فقال بديل : سأبلغهم ما تقول . فانطلق بديل فحدّث قريشا بما سمعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فقام عروة بن مسعود يعرض على المشركين أن يأتي النّبي صلّى اللّه عليه وسلم فيكلمه في تفصيل ما جاءهم به بديل بن ورقاء . فقالوا له دونك فاذهب . فذهب ، فكلّمه النّبي صلّى اللّه عليه وسلم بمثل ما كلّم به بديلا ، فقال له عروة : أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ، وإن تكن الأخرى ، فإني واللّه لا أرى وجوها ، وإني لأرى أشوابا من الناس ( أي أخلاطا منهم ) خليقا أن يفرّوا ويدعوك . فقال له أبو بكر رضي اللّه عنه : امصص بظر اللات أنحن نفرّ عنه وندعه ! . . فالتفت قائلا : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر . فقال : أما إنه لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها ، لأجبتك « 3 » . ثم جعل يكلّم النّبي صلّى اللّه عليه وسلم فكلما تكلّم أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ضرب يده بنعل السيف ، وقال له أخّر يدك عن لحية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قال : المغيرة بن شعبة ، فقال : أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس « 4 » ؟ ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النّبي صلّى اللّه عليه وسلم بعينيه ، قال : فو اللّه ما تنخّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له . فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم واللّه لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر
--> ( 1 ) هذه من رواية البخاري في كتاب الشرط وابن إسحاق وغيرهما . وقد ذكر البخاري في كتاب المغازي هذا الحديث . وقال : إنه جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض ودعا اللّه ثم صبّه فيها . ثم قال دعوها ساعة ، ثم إنهم ارتووا بعد ذلك . قال الحافظ ابن حجر في الفتح : ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الأمران واقعين معا . وأما حديث أنه صلّى اللّه عليه وسلم وضع يده في ركوة ماء فجعل الماء يفور من بين أصابعه فتلك واقعة أخرى غير هذه . وكل ذلك ثابت صحيح . ( 2 ) العوذ جمع عائذ ، وهي الناقة ذات اللبن والمطافيل الأمهات من النوق إذا كان معها أطفالها . يريد أنهم خرجوا بكل ما يحتاجون حتى لا يرجعوا إلا بعد أن يمنعوا المسلمين من دخول مكة . ( 3 ) اليد النعمة ، واليد التي يقصدها عروة ، أن عروة كانت تحمل دية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن . ( 4 ) أراد عروة بذلك أن المغيرة بن شعبة قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلا فودى له عروة المقتولين .